"أهلا وسهلا مرحبا يا من أتيتم عندنا"
Home » » الإمام أبي حنيفة النعمان لبس خرقة التصوف 80 هــ:150هـ

الإمام أبي حنيفة النعمان لبس خرقة التصوف 80 هــ:150هـ

Written By Darul Ihsan on Rabu, 30 April 2014 | 22.03


الإمام أبي حنيفة النعمان لبس خرقة التصوف 80 هــ:150هـ

نقل الفقيه الحنفي الحصكفي صاحب الدر: أن أبا علي الدقاق رحمه الله تعالى قال: (أنا أخذتُ هذه الطريقة من أبي القاسم النصر أباذي، وقال أبو القاسم: أنا أخذتها من الشبلي، وهو من السري السقطي، وهو منمعروف الكرخي، وهو من داود الطائي، وهو أخذ العلم والطريقة منأبي حنيفة رضي الله عنه، وكلٌ منهم أثنى عليه وأقرّ بفضله..)
 ثم قال صاحب الدر معلقاً: 
(فيا عجباً لك يا أخي! ألم يكن لك أسوة حسنة في هؤلاء السادات الكبار ؟
 أكانوا مُتَّهمين في هذا الإِقرار والافتخار، وهم أئمة هذه الطريقة وأرباب الشريعة والحقيقة ؟ ومَن بعدهم في هذا الأمر فلهم تبع، وكل ما خالف ما اعتمدوه مردود مبتدع)
{الدر المختار ج1. ص43.}
 وعليه حاشية ابن عابدين وهو محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي فقيه الديار الشامية وإِمام الحنفية في عصره، له منالتآليف [رد المحتار على الدر المختار] في خمسة مجلدات يعرف بحاشية ابن عابدين، وله رفع الأنظار عما أورده الحلبي على الدر المختار، والعقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية جزءان، ونسمات الأسحار شرح المنار، ومجموعة الرسائل.. مولده ووفاته في دمشق سنة 1198ـ1252هـ].
ولعلك تستغرب عندما تسمع أن الإِمام الكبير، أبا حنيفة النعمان رحمه الله تعالى، يعطي الطريقة لأمثال هؤلاء الأكابر من الأولياء والصالحينمن الصوفية!.
فهلاَّ تأسى الفقهاء بهذا الإِمام، فساروا على نهجه، وجمعوا بين الشريعة والحقيقة، لينفع الله بعلمهم، كما نفع بإِمامهم الأعظم، الإِمام الكبير، معدن التقوى والورع أبي حنيفة رحمه الله تعالى!
يقول ابن عابدين رحمه الله تعالى في حاشيته متحدثاً عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، تعليقاً على كلام صاحب الدر الآنف الذكر: (هو فارس هذا الميدان، فإِن مبنى علم الحقيقة على العلم والعمل وتصفية النفس، وقد وصفه بذلك عامة السلف، فقال أحمد بن حنبل [رحمه الله تعالى] في حقه: إِنه كان من العلم والورع والزهد وإِيثار الآخرة بمحل لا يدركه أحد، ولقد ضُرِب بالسياط لِيَلِيَ القضاء، فلم يفعل. وقال عبد الله بن المبارك [رحمه الله تعالى]: ليس أحد أحق من أن يُقْتَدى به من أبي حنيفة، لأنه كان إِماماً تقياً نقياً ورعاً عالماً فقيهاً، كشف العلم كشفاً لم يكشفه أحد ببصر وفهم وفطنة وتقى. وقال الثوري لمن قال له: جئتُمن عند أبي حنيفة: لقد جئتَ من عند أعبد أهل الأرض)
 ["حاشية ابن عابدين" ج1. ص43].

الرد على الجاهل الصغير الذي طعن في سند رواية تصوف الإمام أبي حنيفة النعمان بعد روايتها من الكبار الائمة والأعلام

قال أحد الجهلاء في عصرنا من الطائفة الوهابية التكفيرية مشككاً في رواية تصوف الإمام أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه 
فقال هذا الجهول
أبو حنيفة لم يكن صوفيا أبدا.
والسند الذي أتيتنا به سند متهالك.
ففي سندك يا أخي ( داوود الطائي ) قلت أنه أخذ على زعمك وزعم من ركب هذا الإسناد عن أبي حنيفة.
والحقيقة أن الأمر ليس كذلك.
فقد روى أبو نعيم في الحلية 7 / 336: 
" قال سفيان بن عيينة: كان داود ممن فقه، ثم علم، ثم عمل، وكان يجالس أبا حنيفة، فحذف يوما إنسانا، فقال له أبو حنيفة: يا أبا سليمان ! طالت يدك، وطال لسانك، قال: ثم كان يختلف ولا يتكلم.
قال: فلما علم أنه يصبر، عمد إلى كتبه ففرقها في الفرات، وأقبل على العبادة، وتخلى،
فداود الطائي رحمه الله تعالى. ترك مجلس أبو حنيفة وتفرغ للعبادة والطاعة وزهد في الدنيا..
ومن هذا الذي ينكر ما كان عليه حال داوود الطائي رحمه الله تعالى.. ولكنه لم يكن له طريقة ولا خرقة ولا أي من هذه الهرطقات التي يتكلم بها المتصوفة.
رحم الله داوود الطائي رحمة واسعة.
فانظر أخي رحمني الله وإياك كيف أن الاسناد فيه مغالطة كبيرة.
فكيف يقال أن داوود أخذ الطريقة ـ كما يزعم مركب الإسناد ـ من أبي حنيفة وهو قد اعتزل مجلسه وتعبد؟!!
قال محمد بن الحسين البرجلانى ، عن أبى النعمان رستم بن أسامة : حدثنى عمير ابن صدقة ، قال : كان داود الطائى لى صديقا ، و كنا نجلس جميعا فى حلقه أبى حنيفة حتى اعتزل و تعبد ( انظر التهذيبين )

الرد
نقل الفقيه الحنفي الحصكفي صاحب الدر: أن أبا علي الدقاق رحمه الله تعالى قال: (أنا أخذتُ هذه الطريقة من أبي القاسم النصر أباذي، وقال أبو القاسم: أنا أخذتها من الشبلي، وهو من السري السقطي، وهو منمعروف الكرخي، وهو من داود الطائي، وهو أخذ العلم والطريقة منأبي حنيفة رضي الله عنه، وكلٌ منهم أثنى عليه وأقرّ بفضله..)
 ثم قال صاحب الدر معلقاً: 
(فيا عجباً لك يا أخي! ألم يكن لك أسوة حسنة في هؤلاء السادات الكبار ؟
 أكانوا مُتَّهمين في هذا الإِقرار والافتخار، وهم أئمة هذه الطريقة وأرباب الشريعة والحقيقة ؟ ومَن بعدهم في هذا الأمر فلهم تبع، وكل ما خالف ما اعتمدوه مردود مبتدع)
{الدر المختار ج1. ص43.}
وعليه حاشية ابن عابدين وهو محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي فقيه الديار الشامية وإِمام الحنفية في عصره.

ونقول الرد من احد مشايخنا
هذا النقل رواه الإمام القشيري في الرسالة:
ثم إن انتقلنا إلى بحث مدى دلالة هذه القصة بعيدا عن محاولة إقناع الحشوية فلا بد من التحقق من صحة النقل أولا بالنظر في رواته والتثبت فيهم لئلا يكون في السند كذاب أو متهم، وهذا لا يتم إلا بالرجوع إلى المصدر الأصل، وإذا كان الشيخ عبدالقادر عيسى رحمه الله قد نقل هذا الإسناد عن كتاب الدر المختار للعلامة الحصكفي فإن الحصكفي نقل هذا بدوره عن الرسالة القشيرية الشهيرة كما صرح بنفسه، فهي الأصل الذي ينبغي الرجوع إليه ..

فقد قال الإمام أبو القاسم عبدالكريم بن هوازن القشيري في الرسالة ما نصه:
((سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: الشجر إذا نبت بنفسه ولم يستنبته أحد يورق ولكنه لا يثمر، كذلك المريد إذا لم يكن له أستاذ يتخرج به لا يجيء منه شيء.
وكان الأستاذ أبو علي يقول: أخذت هذا الطريق عن النصراباذي والنصراباذي عن الشبلي والشبلي عن الجنيد والجنيد عن السري والسري عن معروف الكرخي ومعروف الكرخي عن داود الطائي وداود لقي التابعين ..))اهـ.

العلامة الحصكفي يزيد في آخر النقل من عنده توضيحا:
فهذا ما نقله الإمام القشيري عن شيخه الدقاق كما ترى ليس في آخره أخذ داود الطائي عن أبي حنيفة، وإنما العلامة الحصكفي لما نقل هذا الإسناذ زاد في آخره من عنده من باب الفائدة بعد ذكر داود الطائي ما نصه: (وهو أخذ العلم والطريقة من أبي حنيفة)

رواة الإسناد إلى داود الطائي أعلام الزهد والسلوك:
فالنظر ابتداء يكون في السند المذكور إلى داود الطائي من من رواته كذاب أو متهم لدى أهل الحق؟؟؟ 
كل رواته ثقاة صلحاء أجلاء، وهم سادة أهل التصوف في كل عصر باتفاق، ومقامهم عظيم، ليس في واحد منهم شك ولا ريب، وهم المقصودون بمتقدمي الصوفية عند أمثال ابن تيمية حينما يمدح الصوفية، أما عند الحشوية الأقحاح فكل من ذكر في السند فهم زنادقة كما هو معروف من مذهبهم وكما هو ظاهر في كتبهم التي تذم الصوفية والتصوف ككتب أنصار السنة في مصر ومؤلفات عبدالرحمن الوكيل وتعليقاته على مصرع التصوف ..
 أما عند أهل الحق فرجال هذا السند جبال لا يتطرق إليهم الشك والطعن فهو إسناد صحيح صحيح.. 
لكنه لا يُثبت أن داود أخذ عن أبي حنيفة خاصة ـ كما يفهم من ظاهر إضافة الحصكفي ـ وإنما أخذ عن التابعين جملة والذي يثبت أخذه عن أبي حنيفة خاصة نصوص أخرى يأتيك بعضها ..
 فهذا السند يثبت أن داود أخذ زهده عن التابعين جملة وهذا أحسن مما لو كان مأخوذا فقط عن أبي حنيفة وحده ..

دود الطائي تلميذ أبي حنيفة بلا شك:
أما أخذ داود عن أبي حنيفة خاصة فهذه مسألة مفروغ منها، وهي التي أضافها الحصكفي وقصدها بالذات، فأخذ الطائي عن أبي حنيفة معروف، لكن الطائي إنما أخذ عن أبي حنيفة خاصة العلم من فقه، أما الحديث والزهد الذي صار إليه والعزلة التي انتهى إليها فهذا أخذه عمن أدركه من التابعين وتابعيهم ومنهم أبو حنيفة بلا ريب، إذ الزهد كان خصلة معروفة في أبي حنيفة كما لا يكون الزهد بغير فقه، فابو حنيفة ينفرد بتشكيل فقه ورأي الطائي ويشترك مع غيره من التابعين في بناء زهده وورعه المشهور.

أبو حنيفة سبب تزهد الطائي وتأدبه:
بل قيل إن أبا حنيفة كان سبب تزهد الطائي واعتزاله فقد ذكر القشيري في الرسالة ما نصه:
((وقيل إن داود الطائي لما أراد أن يقعد في بيته اعتقد أن يحضر مجالس أبي حنيفة إذ كان تلميذا له، ويقعد بين أضرابه من العلماء، ولا يتكلم في مسألة، فلما قَوِي نَفَسُه على ممارسة هذه الخصلة سنة كاملة قعد في بيته عند ذلك وآثر العزلة))اهـ.
وقال القشيري في موضع آخر ما نصه:
((وقيل كان سبب زهده أنه كان يجالس أبا حنيفة رضي الله عنه فقال أبو حنيفة يوما : يا أبا سليمان أما الأداة فقد أحكمناها، فقال له داود: فأي شيء بقي ؟ فقال : العمل به، قال داود: فنازعتني نفسي إلى العزلة فقلت في نفسي : حتى تجالسهم ولا تتكلم في مسألة، قال : فجالستهم سنة لا أتكلم في مسألة، وكانت المسألة تمر بي وأنا إلى الكلام فيها أشد نزاعا من العطشان إلى الماء البارد، ثم صار أمره إلى ما صار))اهـ.
وهذا النقل الذي نقله القشيري بلا سند وجدناه مسندا أسنده أبو نعيم ـ وغيره ـ في الحلية قال:
((حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا عبدالله بن العباس ثنا أبو بكر الآشناني ثنا عباس بن حمزة ثنا أحمد بن أبي الحواري حدثني بعض أصحابنا قال إنما كان سبب [اعتزال] داود الطائي أنه كان يجالس أبا حنيفة فقال له أبو حنيفة يا أبا سليمان أما الأداة فقد أحكمناها فقال داود فأي شيء بقي؟ قال بقي العمل به قال فنازعتني نفسي إلى العزلة والوحدة فقلت لها حتى تجلسي معهم فلا تجيبي في مسألة، قال فكان يجالسهم سنة قبل أن يعتزل قال فكانت المسألة تجيء وأنا أشد شهوة للجواب فيها من العطشان إلى الماء فلا أجيب فيها قال فاعتزلتهم بعد))اهـ.
وأوردها أبو نعيم من طريق آخر فيه زيادة قال:
((حدثنا أحمد بن إسحاق ثنا محمد بن يحيى بن منده ثنا محمد بن أبي عثمان الطيالسي ثنا عبدالله بن أحمد الخراساني قال قال سفيان بن عيينة كان داود ممن فقه ثم علم ثم عمل وكان يجالس أبا حنيفة فحذف يوما إنسانا فقال له أبو حنيفة يا أبا سليمان طالت يدك وطال لسانك قال: ثم كان يختلف ولا يتكلم، قال فلما علم أنه [يصبر] عمد إلى كتبه ففرقها في الفرات وأقبل على العبادة وتخلى))اهـ.
ورواها الخطيب البغدادي في تاريخه قال:
((أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق أخبر جعفر بن محمد بن نصير الخلدي حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبويه قال سمعت علي بن المديني يقول سمعت ابن عيينة يقول: كان داود الطائي ممن علم وفقه قال وكان يختلف إلى أبي حنيفة حتى نفذ في ذلك الكلام، قال فأخذ حصاة فحذف بها إنسانا فقال له [أبو حنيفة] يا أبا سليمان طال لسانك وطالت يدك، قال فاختلف بعد ذلك سنة لا يسأل ولا يجيب فلما علم أنه يصبر عمد إلى كتبه فغرقها في الفرات ثم أقبل على العبادة وتخلى))اهـ.
وقال الخطيب أيضا:
((أخبرنا الحسن بن أبي طالب أخبرنا علي بن عمرو الحريري أن علي بن محمد بن كاس النخعي حدثهم قال حدثنا أحمد بن أبي أحمد الختلي حدثنا محمد بن إسحاق البكائي حدثنا الوليد بن عقبة الشيباني قال لم يكن في حلقة أبي حنيفة أرفع صوتا من داود الطائي ثم إنه تزهد واعتزلهم وأقبل على العبادة))اهـ.

وهذا أخرجه أيضا القاضي الصيمري في مناقب أبي حنيفة عن أحمد بن محمد الصيرفي عن علي بن عمرو الحريري المذكور به ..
وقال أبو نعيم في الحلية:
((حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا عبدالرحمن بن محمد بن يزيد عن لوين قال أراد داود الطائي أن يجرب نفسه هل تقوى على العزلة؟ فقعد في مجلس أبي حنيفة سنة فلم يتكلم فاعتزل الناس))اهـ.
قال الحافظ الذهبي في النبلاء معلقا:
 ((قلت: حرب [الظاهر أنها جرب] نفسه ودربها حتى قوي على العزلة))اهـ.
وروى أبو نعيم من طريق آخر أيضا قال:
((حدثنا محمد بن أحمد بن أبان حدثني أبي ثنا أبو بكر بن سفيان حدثني محمد بن الحسين حدثني رستم بن أسامة أبو نعمان حدثني عمير بن صدقة قال كان داود الطائي لي صديقا وكنا نجلس جميعا في حلقة أبي حنيفة حتى اعتزل وتعبد فأتيته فقلت يا أبا سليمان جفوتنا فقال يا أبا محمد ليس مجلسكم ذاك من أمر الآخرة في شيء ثم قال أستغفر الله أستغفر الله ثم قام وتركني))اهـ.
ووقفت على قصة شبيهة بهذه عند القاضي الصيمري في مناقب أبي حنيفة قال:
((حدثنا الحسين بن هارون أنبأ أحمد بن محمد قال ثنا جعفر بن محمد الكندي قال ثنا عبدالله بن حماد أبو حكيمة قال حدثني محمد بن براد قال سمعت القاسم بن معن يقول: لما اعتزل داود الطائي أتيته فقلت : يا أبا سليمان تركت إخوانك ومجالسة من يذاكرك العلم! فسكت طويلا ثم قال: رحمك الله ! إني رأيت قلوبا لاهية وألسنة مؤتلفة وهمما مختلفة وأهواء متبعة ودنيا مؤثرة، فكان اعتزالي أكثر عافية))اهـ.

فكل هذه الطرق تثبت أن داود كان تلميذا عند أبي حنيفة وأنه أخذ عنه في حلقته وأنه بلغ من العلم مبلغا أداه إلى الكلام، بل وصل الأمر به إلى التعاظم على غيره ورميه بالحصى فكان أبو حنيفة يقرعه ويأمره بالعمل بعد العلم وأن يتحلى بالآداب فلزم داود الحلقة سنة لا يتكلم ويجاهد شهوة نفسه في الكلام والجدال حتى رأى من نفسه القوة على الصمت والخلوة فاعتزل الناس واشتغل بالعبادة، فأبو حنيفة كان مؤدبا له ومقرعا إياه على بأوه على أصحابه
 ومما يدل على ذلك أيضا ما رواه الصيمري قال:
((حدثنا الحسين بن هارون قال أنبأ أحمد بن سعيد قال حدثني عبدالله بن أحمد بن البهلول قال: هذا كتاب جدي إسماعيل بن حماد فقرأ فيه: حدثني القاسم بن معن قال أخبرني زفر بن الهذيل [الفقيه الحنفي المشهور] قال: ذاكرني داود يوما مسألة فقلت فيها فقال: أخطأت! فبينت له حتى رجع فاستحيا، ثم أنشد قول ابن شبرمة : كادت تزل به من شاهق قدم ** لولا تداركها نوح بن دراج. ثم قال : يا أبا الهذيل ! أهلكني حب المباهاة))اهـ.
فما كان من أبي حنيفة إلا أن قرعه وأدبه على هذا حتى سلك مسلك التهذيب والتأدب واعتزل بلسانه سنة ثم اعتزل بجسمه.
أبو حنيفة كان يتفرس في داود التزهد:
ففي الانتقاء لابن عبدالبر :
((قال أبو يعقوب نا أبو رجاء محمد بن حامد المقري قال نا محمد بن الجهم السامري قال نا إبراهيم بن محمد بن حماد بن أبي حنيفة قال: ((كان أبو حنيفة من أحسن الناس فراسة، قال لداود الطائي يوما: أنت رجل ستميل إلى العبادة. فكان كما قال، وقال لأبي يوسف أنت رجل تميل إلى الدنيا وتميل إليك فكان كما قال وقال لزفر بن الهذيل فذكر كلاما لا أحفظه فكان كما قال))اهـ.
الطائي اعتزل بعد أن تعلم وتفقه:
ومما يدلك على أنه لم يعتزل حتى غدا عالما فقيها ما رواه الصيمري قال:
((حدثنا القاضي أبو عبدالله الضبي قال أنبأ أبو العباس أحمد بن محمد الهمداني قال ثنا يحيى بن زكريا بن شيبان قال ثنا عبدالله بن ماهان قال سمعت حفص بن غياث يقول : كان داود الطائي يجالسنا عند أبي حنيفة حتى برع في الرأي ثم رفض ذلك ورفض الحديث وكان قد أكثر منه ولزم العبادة والتوحش من الناس))اهـ.
وفي مدة اعتزاله كان أبو حنيفة يزوره كما رأيته عند القاضي الصيمري مسندا قال:
((أخبرنا عمر بن إبراهيم المقرئ قال ثنا مكرم بن أحمد قال ثنا عبدالصمد بن عبيد الله عن الفضل بن يوسف قال ثنا محمد بن عمران الربعي قال حدثني محمد بن سويد الطائي قال رأيت داود الطائي يغدو ويروح إلى أبي حنيفة ثم رأيته قد تخلى وترك الناس فرأيت أبا حنيفة قد جاءه زائرا له غير مرة))اهـ.
وأما روايته الحديث عن أبي حنيفة فثابتة:
فقد روى أبو نعيم في الحلية والمسند قال:
((حدثنا محمد بن حميد ثنا القاسم بن زكريا ثنا شعيب بن أيوب ثنا مصعب بن المقدام عن داود الطائي عن أبي حنيفة عن علقمة بن مرثد عن أبي بردة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال نهيتكم عن زيارة القبور فقد أذن لمحمد صلى الله عليه وسلم في زيارة قبر أمه الحديث بطوله
حدثنا عبدالله بن محمد بن عبدالله الكاتب ثنا محمد بن عبدالله الحضرمي ثنا شعيب بن أيوب ثنا مصعب بن المقدام عن داود الطائي عن أبي حنيفة قال أخبرني عطاء أنه سمع أبا هريرة يقول سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا ارتفعت النجوم ارتفعت العاهة عن كل بلد))
وفي مسند أبي حنيفة لأبي نعيم:
((حدثنا أبو بكر بن المقرئ ثنا أحمد بن محمد بن سعدان الواسطي ثنا شعيب بن أيوب ثنا مصعب عن داود الطائي عن أبي حنيفة عن أبي سعيد عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو محرم))اهـ.
وهناك روايات أخرى يمكن تتبعها من بطون الكتب.
تلمذة الطائي لأبي حنيفة مشهورة عند العلماء قديما وحديثا:
قال ابن حبان في الثقاة :
 ((كان داود من الفقهاء ممن كان يجالس أبا حنيفة ثم عزم على العبادة فجرب نفسه على السكوت فكان يحضر المجلس وهم يخوضون وهو لا ينطق فلما أتى عليه سنة وعلم أنه يصبر على أن لا يتكلم في العلم غرق كتبه في الفرات ولزم العبادة وورث عشرين دينارا أكلها في عشرين سنة ثم مات ولم يأخذ من السلطان عطية ولا قبل من الإخوان هدية))
قال الذهبي في الأعلام:
 ((وكان من كبار أئمة الفقه والرأي، برع في العلم بأبي حنيفة، ثم أقبل على شأنه ولزم الصمت وآثر الخمول وفر بدينه))اهـ.
ونقل الذهبي في الأعلام:
 ((قال علي بن مدرك عن الحسن بن زياد الفقيه قال كان زفر وداود الطائي متواخيين فأما داود فترك الفقه وأقبل على العبادة وأما زفر فجمعهما))اهـ. 
وقد أسند هذا القاضي الصيمري في ترجمة زفر.
ومعلوم لكل أحد أن زفر صنيعة من صنائع أبي حنيفة، فما تواخيا إلا في كنف أبي حنيفة ورعايته وحفظه، ثم كان زفر يصحب الطائي صحبة قوية أكيدة كما رواه الصيمري ..
وروى القاضي الصيمري بسنده إلى الإمام عبدالله بن داود الخريبي الحنفي صاحب أبي حنيفة قال وسأله إسحق عن أصحاب أبي حنيفة فقال:
 ((أبو يوسف وزفر وعافية الأودي وأسد بن عمرو وعلي بن مسهر ويحيى بن أبي زائدة والقاسم بن معن وداود الطائي، ثم قال عبدالله : لو أن داود الطائي وزن بأهل الأرض لوزنهم فضلا وصلاحا))
قال صديق حسن خان القنوجي ـ وكان لا مذهبيا فتاب ـ في أبجد العلوم:
((والأئمة منهم معروفون مشهورون وإنما أشرنا إلى تراجم الأربعة المجتهدين لكونهم أئمة الفقهاء المتقدمين والمتأخرين وههنا أشير إلى أسمائهم رحمهم الله فمن الحنفية:
الإمام القاضي أبو يوسف وكان من أهل الاجتهاد والإمام محمد وقد بلغ رتبة الاجتهاد أيضا وابن المبارك المحدث المروزي والإمام داود بن نصير الطائي الكوفي ووكيع بن الجراح ويحيى بن زكريا والحسن بن زياد اللؤلؤي الكوفي وحماد بن أبي حنيفة الإمام ..))اهـ.
هذا وقد وقفت على روايات عند القاضي الصيمري ـ شيخ الخطيب البغدادي ـ رواها في مناقب أبي حنيفة فيها ثناء صريح واضح من داود الطائي على أبي حنيفة وتصريح بأنه يقفو أثره في الزهد أذكرها هنا على ما في أسانيدها استئناسا وإلا فقد تقدم ما فيه مقنع:
روى الصيمري بسنده إلى داود الطائي أنه قال:
ـ ((الله يعلم كثرة دعائي لأبي حنيفة في صلاتي فمنه تعلمت وبه تأدبت))
 وهذا كما ترى صريح في المبتغى الذي زاده العلامة الحصكفي.

ـ ورى الصيمري بسنده إلى داود أنه قال في مال أبي حنيفة:
 ((وإن هذا مال رجل ما أقدم عليه في ورعه وزهده ولو كنت قابلا من أحد من الناس شيئا لقبلتها ..))
ـ وبه إليه قال :
 ((الحمد لله الذي لم يقل أبو حنيفة شيئا حتى رأيته سار في الأمصار))

ففي هذا وما تقدم مقنع لكل منصف أن الطائي كان تلميذا لأبي حنيفة آخذ عنه عمله وفقهه ورأيه وأن تأدبه كان ابتداؤه على يد أبي حنيفة وبسببه وأنه استفاد من زهد أبي حنيفة وأدبه وتقواه ومن غيره من التابعين فأي عجب في أن يضاف داود إلى شيخه في التأدب وما العجبفيما زاده الحصكفي لما قال بأن داود أخذ عن أبي حنيفة العلم والطريق؟؟ 
وهل الطريق إلا الأدب عموما؟؟ 
وما يظن الحشوية معنى الطريق غير الأدب والسلوك في الزهد على هدي من سلف؟؟
 وما أوهمه الوهابي من أن داود ترك حلقة أبي حنيفة واعتزلها كراهية للعلم والفقه والحديث فجهل منه وتعصب معتاد فإن الطائي ترك الدنيا كلها واعتزل الناس كلهم وليس حلقة أبي حنيفة وحدها ثم هو لم يتركها حتى صار عالما فذهب ينشغل بعبادة ربه.
وأما من شك في أن الطائي صوفي فليقرأ ترجمته التي لم نطول بذكرها فليقرأها في الحلية وصفوة الصفوة وسير النبلاء وطبقات الصوفية وغيرها ير العجب العجاب، وكل ما ينكره المنكرون على الصوفية من المبالغات في التعبد من عزلة وترك الماء البارد في الصيف والتقلل في المطعم والمشرب وتغريق الكتب ومحوها تورعا وغيرها فهو ثابت في ترجمة داود الطائي هذا .. فما الذي يريده الحشوية بعد هذا؟؟؟
الشيخ الأزهري حفظه الله مشرف روض الرياحين

إدارة موقع الصوفية

Bagikan ke:

Posting Komentar

 
Website Resmi © Yayasan Teungku Haji Hasan Krueng Kalee Dayah Darul Ihsan – All Rights Reserved